ابن أبي الحديد
47
شرح نهج البلاغة
بأصابعه - فقلت ما تأمرني ؟ فقال : ( إلزم بيتك ، واملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بأمر الخاصة ، ودع عنك أمر العامة ) . وروى ابن مسعود عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : ( سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من قرية إلى قرية ، ومن شاهق إلى شاهق ، كالثعلب الرواغ ) قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله سبحانه ، فإذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه ، فإن لم يكن له أبوان فعلى يد زوجته وولده ، وإن لم يكن فعلى يد قرابته ) ، قالوا : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( يعيرونه بالفقر وضيق اليد ، فيكلفونه مالا يطيقه حتى يورده ذلك موارد الهلكة ) . وروى ابن مسعود أيضا أنه صلى الله عليه وآله ذكر الفتنة ، فقال : ( الهرج ) فقلت : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : ( حين لا يأمن المرء جليسه ) ، قلت : فبم تأمرني يا رسول الله ، إن أدركت ذلك الزمان ؟ قال : ( كف نفسك ويدك ، وادخل دارك ) ، قلت : أرأيت إن دخل على داري ! قال : ( ادخل بيتك ) ، قلت : إن دخل على البيت ، قال : ( ادخل مسجدك ، واصنع هكذا - وقبض على الكوع - وقل ربى الله ، حتى تموت ) . * * * ومنها الخلاص من شر الناس ، فإنهم يؤذونك تارة بالغيبة ، وتارة بسوء الظن والتهمة وتارة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها ، وتارة بالنميمة والكذب مما يرونه منك من الأعمال والأقوال مما لا تبلغ عقولهم كنهه ، فيدخرون ذلك في نفوسهم عدة ، لوقت ينتهزون فيه فرصة الشر ، ومن يعتزلهم يستغن عن التحفظ لذلك . وقال بعض الحكماء لصاحبه : أعلمك شعرا هو خير لك من عشرة آلاف درهم ! وهو :